القاضي النعمان المغربي
66
تأويل الدعائم
في ذلك العلم المأثور عن أولياء اللّه وأنبيائه وأئمة دينه صلى اللّه عليه وسلم والمراد بالعلماء هم صلى اللّه عليهم ومن تعلم منهم فهو يعد من العلماء على سبيل المجاز باتباعه لهم وتوليه إياهم كقوله تعالى : « فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي » « 1 » وقوله : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ « 2 » فهم العلماء بالحقيقة صلى اللّه عليهم وسلم ، وقد يقع اسم العلماء على المجاز على كل عالم بشيء ما كان فليس أولئك وإن وقع عليهم اسم العلماء ممن يعنى بالعلماء في الحقيقة وقد يقال فلان عالم بالشر وعالم بالخير وعالم بصنعة كذا وأمر كذا مما يطول ذكره من الأعمال والعلوم التي لا يعد أهلها في العلماء بالحقيقة كذلك من أحدث علما وانتحله عمن أخذه واستنبطه من ذات نفسه فليس ذلك العلم مما يعد في العلم الحقيقي الّذي قدمنا ذكره ولا أولئك ممن يعد في العلماء بالحقيقة وإنما ينسبون إلى العلم وينسب إليه من أحدثه على سبيل المجاز كما قدمنا بيان ذلك . ومن ذلك قوله تعالى : « بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ » « 3 » يعنى أولياءه ولا يكون أهل العلم هاهنا كل من علم شيئا ما كان وكذلك قوله : « يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » « 4 » وإنما عنى بالعلم هاهنا العلم الحقيقي الّذي قد قدمنا ذكره المأثور عن أولياء اللّه . ومن هذا أيضا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « رب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » ، وقد ذكرنا في متقدم القول أن تأويل ذلك قد يكون أنه أراد بحامل فقه ليس بفقيه من لم يعمل بما حمله من الفقه وقد يكون أيضا اسم الفقه والفقيه هاهنا اسما على المجاز كما ذكرنا والفقه في اللغة العلم والفقيه العالم ولكنهم خصوا بذلك العلم بالحلال والحرام فلزم ذلك لما كثر على ألسنتهم وقد ذكرنا معنى العلم ووجوهه والفقه يجرى في ذلك مجراه فيكون المراد بذلك العالم على المجاز الّذي لا علم في الحقيقة عنده ومن ذلك أيضا ما جاء في كتاب الدعائم عن علي من قوله ولا يستحيى العالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم ، فبين ذلك أنه قد يدعى عالما وإن جهل بعض العلم وذلك إنما يقع على من ذكرناه من المستفيدين عن أولياء
--> ( 1 ) سورة إبراهيم : 36 . ( 2 ) سورة المائدة : 51 . ( 3 ) سورة العنكبوت : 49 . ( 4 ) سورة المجادلة : 11 .